الأخبار

الفكر الحضاري في العصر الراهن: بين التراجع والاغتراب عن الإنسان. قراءة في ضوء نظريات مالك بن نبي

الفكر الحضاري في العصر الراهن: بين التراجع والاغتراب عن الإنسان.

قراءة في ضوء نظريات مالك بن نبي

     

بقلم : الدكتور نوال حيفري

 

يشهد العالم المعاصر تحولات عميقة على الكثير من المستويات الاقتصادية والسياسية والتكنولوجية، غير أن هذه التحولات لم تُواكب دائمًا بتطور موازٍ في الفكر الحضاري الذي يُعنى ببناء الإنسان وتوجيه مساره داخل المجتمع؛ بل أصبح هذا الفكر، في كثير من الأحيان، بعيدًا عن الأفراد، منفصلًا عن واقعهم اليومي، ومحصورًا في النخب الأكاديمية أو الخطابات النظرية المجردة.

إن إعادة ربط الإنسان بمشروعه الحضاري تبدأ من وعيه بذاته، إذ لا يمكن لأي نهضة أن تتحقق دون إنسان يمتلك رؤية ورسالة؛ وهنا تتجلى أهمية مفهوم “الفكرة الدافعة” عند بن نبي، التي تمنح الفرد معنى لوجوده وتجعله عنصرًا فاعلًا في مجتمعه، بدلا من أن يكون مجرد متلقٍ سلبي لما يُنتج خارج بيئته.

كما أن التحول من الاستهلاك إلى الفعل الحضاري يتطلب تغييرًا في منظومة القيم، بحيث يصبح الإنتاج والإبداع والمعرفة أولويات أساسية؛ لأن الإنسان المستهلك يعيش على هامش التاريخ، بينما الإنسان الفاعل هو الذي يسهم في صناعته، من خلال وعيه، وعمله، وقدرته على التفاعل النقدي مع واقعه.

يرى مالك بن نبي أن الحضارة ليست مجرد تقدم مادي أو تكنولوجي، بل هي معادلة مركبة تتكون من الإنسان، والتراب، والوقت، موجهة بفكرة دافعة، هذه الفكرة هي التي تمنح المعنى للحياة الجماعية وتُحول الطاقات الفردية إلى مشروع حضاري متكامل؛ غير أن ما نلاحظه اليوم هو تراجع دور هذه الفكرة، حيث طغت النزعة الاستهلاكية على حساب القيم، وأصبح الإنسان مستهلكًا للمنتج الحضاري بدل أن يكون صانعًا له.

لقد أشار بن نبي إلى ما سماه “القابلية للاستعمار”، وهو مفهوم يتجاوز البعد السياسي ليعبر عن حالة داخلية من الضعف الفكري والنفسي تجعل المجتمع عاجزًا عن إنتاج حضارته الخاصة. وإذا أسقطنا هذا المفهوم على الواقع الحالي، نجد أن كثيرًا من الأفراد يعيشون نوعًا من الاغتراب الحضاري؛ فهم يتبنون أنماط حياة وأفكارًا مستوردة دون تمحيص، مما يؤدي إلى انفصالهم عن جذورهم الثقافية وهويتهم.

 

ومن مظاهر ابتعاد الفكر الحضاري عن الأفراد في العصر الراهن، هيمنة التقنية على حساب الإنسان. فالتطور الرقمي، رغم فوائده الكبيرة، ساهم في تقليص مساحة التأمل والتفكير النقدي، وأصبح الإنسان محاطًا بسيل من المعلومات دون أن يمتلك دائمًا القدرة على تحليلها أو توظيفها في بناء وعي حضاري حقيقي. وهذا ما يتناقض مع رؤية بن نبي الذي كان يؤكد على أهمية “توجيه الثقافة” لتكون أداة لبناء الإنسان لا لتشتيته.

كما أن المؤسسات التربوية، التي يُفترض أن تكون الحاضنة الأساسية للفكر الحضاري، تعاني في كثير من الأحيان من أزمة في المناهج والرؤية، حيث تركز على التلقين بدل تنمية الفكر النقدي والإبداعي. وهذا يؤدي إلى إنتاج أفراد غير قادرين على التفاعل مع تحديات العصر، فضلًا عن ضعف انخراطهم في مشروع حضاري واضح.

ومن هنا، فإن استلهام فكر بن نبي يعني أيضًا إعادة الاعتبار للثقافة بوصفها أداة بناء لا ترفًا فكريًا، وللتعليم باعتباره وسيلة لتكوين الإنسان لا مجرد وسيلة للحصول على وظيفة. كما يتطلب ذلك تحرير الوعي من التبعية، وتنمية روح المبادرة، وتعزيز الثقة بالذات الحضارية.

ورغم هذا الواقع، فإن إمكانية استعادة الفكر الحضاري ليست مستحيلة؛ بل تبدأ من إعادة الاعتبار للإنسان كعنصر محوري في عملية البناء الحضاري، من خلال ترسيخ القيم، وتنمية الوعي، وتعزيز روح المسؤولية، كما تتطلب إعادة إحياء “الفكرة الدافعة” التي تحدث عنها مالك بن نبي، بحيث تكون مستمدة من هوية المجتمع وقادرة في الوقت ذاته على التفاعل مع معطيات العصر.

في الختام، يمكن القول إن الفكر الحضاري في الوقت الحالي يواجه تحديات حقيقية تجعله يبدو بعيدًا عن الأفراد، غير أن العودة إلى جذوره، واستلهام أفكار رواد مثل مالك بن نبي، قد تمثل خطوة أساسية نحو إعادة ربط الإنسان بمشروعه الحضاري، وتحويله من كائن مستهلك إلى فاعل ومؤثر في مسار التاريخ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى