الأخبار

الجاز…طبرقة تستضيف الذاكرة

الجاز...طبرقة تستضيف الذاكرة

الجاز…طبرقة تستضيف الذاكرة

بقلم: سونيا ابيضي.. تونس

ليس لأن الجاز عاد إلى طبرقة، امتلأت مدارج مسرح البحر… بل لأن طبرقة كانت طوال ست سنوات، تنتظر أن يعود شيئا منها.

ست سنوات غاب فيها مهرجان الجاز عن الركح، لكنه لم يغادر ذاكرة المدينة. ظل حاضرًا في أحاديث أهلها، وفي حنين عشاقه، وفي يقين راسخ بأن الموسيقى التي وجدت بيتها بين البحر والغابة لا يمكن أن ترحل إلى الأبد.

وجاء الثاني من يوليو، فعادت النغمات إلى المكان الذي يشبهها  وعادت طبرقة إلى نبضها.

ولم تكن هذه العودة وليدة الصدفة بل جاءت ثمرة رؤية آمنت بها وزارة الشؤون الثقافية التونسية، التي خصصت للمهرجان ميزانية خاصة، وأولته عناية استثنائية  وسخّرت جهودًا كبيرة لإعادته إلى الساحة الثقافية بعد غياب دام ست  سنوات ولم يكن حضور وزيرة الشئون الثقافية، ووالي الجهة، وثلة من المسؤولين الجهويين في حفل الافتتاح مجرد حضور بروتوكولي  بل رسالة واضحة مفادها أن مهرجان الجاز بطبرقة ليس تظاهرة فنية فحسب  بل جزء من الذاكرة الثقافية التونسية، وموعد يستحق أن يستعيد مكانته.

في طبرقة، لا يبدو المكان مجرد جغرافيا. إنها مدينة لا تشبه المدن. كأن رسامًا لأفلام الرسوم المتحركة نثر فيها كل ألوان خياله ثم غادر,,,حيث بحر يحتضن الغابة وصخور شامخة تحرس السواحل  ونسيم يحمل رائحة الملح والصنوبر في آن واحد  حتى يخيل إلى الزائر أنه دخل عالمًا رسمته الأحلام قبل أن تصنعه الطبيعة.

وحين يحلّ الليل، يكتمل المشهد. فيتزين الحصن الجنوي، المنتصب فوق ربوة صخرية يراقب البحر منذ قرون، يتخلى عن صرامته التاريخية، ويرتدي ثوبًا من الأضواء المتغيرة  مرة الأزرق  ثم الأرجواني  فالأخضر  فيتحول إلى لوحة نابضة بالحياة..  كأن المدينة كلها قررت أن تحتفل بالموسيقى قبل أن تعزف أول نغمة.

الجاز ليس مجرد موسيقى، بل هو الحرية والانطلاق .. الجاز لا يكاد يجد فضاءً يليق بروحه أكثر من هذا المسرح المفتوح على البحر والسماء. هناك، تمتزج الأنغام بحفيف الأشجار وشجار الأمواج، حتى يعجز السامع عن التمييز: أهو البحر يعزف… أم أن الجاز استعار صوته ؟

ومن الثاني إلى التاسع من يوليو تحتضن المدينة فنانين قدموا من بلدان صنعت تاريخًا عريقًا لموسيقى الجاز، لتؤكد تونس مرة أخرى أنها كانت  وما تزال أرضًا يلتقي فيها العالم عبر الثقافة، ومعرضًا حيًا لمختلف الفنون  حيث  لغة الإبداع.

أما مدارج مسرح البحر فلم تكن مكتظة بالجمهور فحسب، بل كانت تفيض بالحنين أما التصفيق فيحمل شوق ست سنوات، وكأن الوجوه تقول ما تعجز الكلمات عن وصفه، لم يأت الناس ليستمعوا إلى الموسيقى فقط، بل جاؤوا ليستعيدوا جزءًا من ذاكرة المدينة، وليثبتوا أن بعض المهرجانات لا تعيش في برامج وزارة الثقافة  بل تعيش في قلوب المدن.

مدن كثيرة قادرة على تنظم مهرجانًا للجاز، لكن قليلًا منها تستطيع أن تمنحه روحًا.

أما طبرقة، فهي لا تستضيف مهرجان الجاز بل هي موطنه الأصلي…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى